ابراهيم بن عمر البقاعي
450
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
النقوض بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ [ المائدة : 18 ] فصار من قتل نفسا واحدة بغير ما ذكر فكأنما حمل إثم من قتل الناس جميعا ، لأن اجتراءه على ذلك أوجب اجتراء غيره ، ومن سن سنة كان كفاعلها وَمَنْ أَحْياها أي بسبب من الأسباب كعفو ، أو إنقاذ من هلكة كغرق ، أو مدافعة لمن يريد أن يقتلها ظلما فَكَأَنَّما أَحْيَا أي بذلك الفعل الذي كان سببا للإحياء النَّاسَ جَمِيعاً أي بمثل ما تقدم في القتل ، والآية دالة على تعليمه سبحانه لعباده الحكمة ، لما يعلم من طباعهم التي خلقهم عليها ومن عواقب الأمور - لا على أنه يجب عليه - رعاية المصلحة ، ومما يحسن إيراده ههنا ما ينسب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، ورأيت من ينسبه للشافعي رحمه اللّه تعالى : الناس من جهة التمثال أكفاء * أبوهم آدم والأم حواء نفس كنفس وأرواح مشاكلة * وأعظم خلقت فيهم وأعضاء فإن يكن لهم في أصلهم حسب * يفاخرون به فالطين والماء ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم * على الهدى لمن استهدى أدلاء وقدر كل امرئ ما كان يحسنه * وللرجال على الأفعال أسماء وضد كل امرئ ما كان يجهله * والجاهلون لأهل العلم أعداء ففز بعلم تعش حيا به أبدا * فالناس موتى وأهل العلم أحياء ولما أخبر سبحانه أنه كتب عليهم ذلك ، أتبعه حالا منهم دالة على أنهم بعيدون من أن يكونوا أبناء وأحباء فقال : وَلَقَدْ أي والحال أنهم قد جاءَتْهُمْ رُسُلُنا أي على ما لهم من العظمة بإضافتهم إلينا واختيارنا لهم لأن يأتوا عنا ، فهم لذلك أنصح الناس وأبعدهم عن الغرض وأجلّهم وأجمعهم للكمالات وأرفعهم عن النقائص ، لأن كل رسول دال على مرسله بِالْبَيِّناتِ أي الآيات الواضحة للعقل أنها من عندنا ، آمرة لهم بكل خير ، زاجرة عن كل ضير ، لم نقتصر في التغليظ في ذلك على الكتاب بل وأرسلنا الرسل إليهم متواترة . ولما كان وقوع الإسراف - وهو الإبعاد عن حد الاعتدال في الأمر منهم بعد ذلك - بعيدا ، عبر بأداة التراخي مؤكدا بأنواع التأكيد فقال : ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ أي بني إسرائيل ، وبيّن شدة عتوّهم بإصرارهم خلفا بعد سلف فلم يثبت الجار فقال : بَعْدَ ذلِكَ أي البيان العظيم والزجر البليغ بالرسل والكتاب فِي الْأَرْضِ أي التي هي مع كونها فراشا لهم - ويقبح على الإنسان أن يفسد فراشه - شاغلة - لما فيها من عظائم الكدورات وترادف القاذورات - عن الكفاف فضلا عن الإسراف لَمُسْرِفُونَ * أي عريقون في الإسراف بالقتل وغيره .